stay connected

- Advertisement -
الكنيسة الكاثوليكية بمصر

construct design

Travel

عظات الأيام الطقسية

عظات متنوعة للـمتنيح الأنبا أغناطيوس يعقوب

923views

” إن الله هـو راحـة الإنسان”

فـى وسط هذا العالـم ومشاغله الكثيرة التى تستأثر بك ينبهك الـمسيح إلى أن ما يجب أن تنشده…هـو واحـد..إنك تطلبه..مسافراً لا مقيـماً..وتسعى إليه فى طريقك..قبل أن تصل الى الوطن، فتتوق إليه ولا تتمتع به، وبرغم ذلك، تابع سيرك، ولا تتكاسل، ولا تتوقف لتتـمكن منه فى يوم من الأيام.

وجـه نيتك نحو غايتك التى هى الـمسيح ثم رد إليه ما تعمل ولا تبحث عـما بعده لتتمكن منه. 

وجه نيتك نحو الـمسيح، لئلا تتوقف فى طريقك فلا تصل إليه.

هــلمَ إلى الـمسيح..فيه غايتك وما دونه طريق. ودَع كل من تلتقيه فى طريقك،

أيا كان، بغية الوصول إلى غايتك.

إن إتحدت بالله أكـملت طريقك وبقيت فى الوطن.

أطلب مكانا تعبُر منه الى آخر، ولا تطلب مكاناً يستوقفك.

إن ما يسعى الـمرء إليه بغية الوصول إلى شيئ أخر ليس غاية منشودة، لأن الغاية هى مطلوبة لذاتها وبالـمجان.

إن طلبت الـمجد، سعيت إليه، إما قيامـاً بعمل ما أو حصولاً على رضى الله، فلا تطلبه لذاته ولا تكتف به.  إن طلبت مجد الله، حسنا صنعت. أمـا إن طلبت مـجدك الشخصي فشراً تصنع، لأنك تبقى فى الطريق.

هـا هو الإنسان يحبك ويـمدحك، فلا تفرح بـما يكال لك من مدائح، بل إفرح لأن الرب يُسبح فيك فتنشد آنذاك ” تعظم نفسي الرب”.

ليكن مـخلصك غايةً تتوق إليها يا من لـم تُدع للأرض بل للسماء.

ليكن فاديك أخر ما تصبو إليه وتتوق لأنه رجاء لك وقوة.

أركض إذاً على الطريق والرب هو الطريق، إذ لا فائدة من ركضك خارجاً عنها.

أركض على خطى الـمسيح القائل ” أنا الطريق والحق والحياة لا يأتي أحد إلى الآب إلا بي”. 

صلاة: يارب..اننا على الطريق نسير..ليس لنا سواك، فأنت طريقنا الوحيد. بك وجودنا فيك لكي تكون حياتنا لك ولأجلك. إياك يارب نبارك فى كل حين وكل آن تسبحتك فى أفواهنا ..لك الـمجد الدائم إلى أبد الأبدين..آمين.

 

                       ++++++++++++++++++++++++++++++++

                  أسم الـمسيح..إسم مَـنسي عند أهـل العـالـم

نبوخذنصر– نجد فى سفر دانيال (دا24:3-25) “ألم نلق ثلاثة رجال موثقين فى وسط النار، ها أنا ناظر أربعة رجال مـحلولين…ومنظر الرابع شبيه بإبن الألهة”..لـم يكن للـملك أعداد إلا ثلاثة حسب ظنه وهم شدرخ وميشنج وعبدنغو..فظن انهم صاروا حفنة تراب ولكن هذه الحفنة بقيت حية فى وسط النار..ظنهم ثلاثة ولكنهم كانوا أربعة والرابع شبيه بإبن الألهة.

حساب فيلبس – مع الـمسيح عند معجزة الخمس خبزات..كان حساب ناقصاً هذا الرقم ..(الـمسيح)..ولكن فيلبس قال “اصرف الجمع”.

مثل الوعاظ الثلاثة- هم ثلاثة أصفار ولكن مع الرقم الحقيقي الواحد هو الـمسيح..هم 1000

الرقـم الـمنسي فى حساب الخاطئ:

1. قاتل أخيه..عمل حساب كل شيئ وكل شخص إلا الله

2. بائع أخيه..كانوا عشرة أشخاص وكانوا يبغضون أخاهم حسداً.

3. سارق الزوجة..يدبر داود كل شيئ ويعمل حسابه فبعدما يسقط مع بتشبع يقتل زوجها أوريا الحثي فى الحرب ويضم الزوجة معه وتلد له إبناً ويطمئن داود ولكن جاءه ناثان النبي وقال لـماذا قتلت أوريا وأخذت إمرأته والأن لا يفارق السيف بيتك ونساؤك يؤخذن أمام عينيك ويضجع معهن فى عين الشمس.

4. سالب البستان..آخاب الـملك يريد أن يستولي على بستان نابوت اليزرعيلي ونابوت يرفض أن يتنازل عن ميراث أبائه، ولكن زوجة آخاب وهى إيزابل الـمحتالة طـمأنته انها إمراءة قادرة فقالت إذا مات نابوت اليزرعيلي فيوجد الورثة ولكن يجب أن يموت محكوم عليه- وما هى التهمة؟..هو أمين فلا يمكن إتهامه بالسرقة أو القتل..ليتهم إذاً بالتجديف على الله وعلى الـملك..وشهود الزور ما أكثرهم شهدوا بذلك أمام الشيوخ فحكموا على نابوت بالرجم ، وأصبح آخاب وارثا لكرم نابوت بكل إطـمئنان . ولكن ما هذا هناك رجل واقف على الباب انه إيليا يقول للـملك فى المكان الذى لحست فيه الكلاب دم نابوت تلحس الكلاب دم آخاب…نسى الـملك والـملكة أن يعملوا حساب الله.

الرقـم الـمنسي فى حساب الـخائف:

1. جليات وداود..رأى ملك إسرائيل داود فخاف عليه من جليات وهكذا الشعب وجليات يسخر منه ويقول العلي أنا كلب حتى انك تأتي إلـى بعصا..وداود يقول له :أنت تأتي إلي بجسمك الطويل

والعملاق وبالسيف والرمح أما أنا آتيك بإسم رب الجنود إله إسرائيل.

2. غلام النبي..أليشع النبي كان مضجعاً هو وغلامه فى إحدى الليالي وإستيقظ الغلام على حس حركة فوجد الجبل مملوء بالجنود من طالبي نفس سيده..يوقظ الغلام النبي وهو خائف جداً ، والنبي يشير إلى الغلام بالنوم، والغلام يعاود الكرة، وأخيراً يضطر النبي أن لصلي للرب ليرى الغلام ما أعده الله دفاعاً عن النبي وإذا بالجبل مملوء خيلاً ومركبات نار حول أليشع.

3. فى جب الأسود..دانيال كبير الوزراء فى مملكة فارس..كل شيئ فى يده ولكن الأعداء إتحدوا ضده ودبروا مكيدتهم فخدعوا الـملك وملقوه وصيروه إلهاً وإستصدروا أمراً بأن على الجميع أن يسجدن له ومن يخالف يطرح فى جب الأسود، ولكن دانيال ذهب إلى عليته وصلى كعادته ثلاث مرات فى اليوم.إذاً وقع دانيال فليحكم عليه وخُلي لهم الـمكان بإنتهاء دانيال ، ولكن يوجد إلهاً فى السماء الذى يعبده دانيال والذى نجاه من الأسود.

                     ++++++++++++++++++++++++++++++

 

       الـويــل للـعـــالــم من الـشـــكوك  (متى 18)

الشكوك..هو إقادة الغير إلـى الـخطية بالـمثال والأقوال..لذلك إشتد الإثم فى الـمملكة البشرية فالويل للعالـم من الشكوك. إبليس يتخذ الـمشككين جنوداً له لـيحارب بهم من لا ينتصر عليهم بذاته ويسلحهم بسلاحين هما: الـمثال الردئ والأقوال الـسمجة.

الـمثال الردئ: فى الإنسان ميل غريزي يحركه إلى أن يفعل ما يفعله الناس (تقليد الأولاد لكل شيئ). الكاتب، والصانع، الفلاح، الكهنة والبنات للخياطة والخبيز..الخ. والإنسان يميل أكثر الى الشر لأن ثقل الطبيعة الفاسدة يميل به الى أسفل.

مثال ذلك: – شاول أخذ سيفه وسقط عليه ومات وهكذا فعل مثله حامل سلاحه ومات. يربعام سجد للعجلين الذهبين هكذا فعل الشعب مثله.  حمور الذى إختتن ، هكذا فعل مثله كل أهل شكيم فكان وبالاً عليهم. وكم من الذين يريدون أن يقتربوا من الـمسيح فتصدهم عن ذلك قوة الـمثل الردئ ، فعلى مثل هؤلاء الإقتداء بزكا وليقولوا كالنبي داود ” أبغضت الأثمة وأحببت شريعتك أعدلوا عني أيها الـمسيئون فأرعى وصايا إلهي”. كثيراً ما نسمع من الشيوخ (فين أيام زمان) الديانة حارة والشرائع والنواميس محفوظة ، أما الأن ..إهمال جميع الوصايا..عدم سماع القداس..عدم الصوم ولا صلوة ولا إعتراف ولا حثظ أحد أو عيد..كذلك الشتيمة وسب الدين والحلف الزور والإزدراء بالوالدين..الخ.. فنجيب هؤلاء الشيوخ لقد انقلب الزمان لأن الـمشككين كثروا للغاية، فشخص واحد فاسد السيرة يفسد الـمجتمع كله، وإمرأة واحدة عديمة الأدب تفسد كثيرات، وإبنة واحدة تخترع نوعا من الزينة الباطلة عديمة الحشمة والرزانة تفسد بنات كثيرات ، ورب بيت واحد تعلم الشر فى بلد غريبة يفسد أهل بيته وبلدته ، وفتى واحد يطالع كتباً فاسدة يغطي العدول لكثيرين.

الأقوال السمجة: وقال عنها الرسول انها تفسد الأخلاق السليمة. كم من أعمى بالخطيئة يريد أن يصرخ مع أعمى أريحا “يا إبن داود إرحمني” والـمشككين يزجرونه ليسكت. من طلب الغفران ويمنعونه عن الصلاة والقراءة الروحية بأقوالهم السمجة ويستخفون به من جهة التدين الجديد ناسبين إليه ضعف العقل وينتهرونه بألفاظ قاسية ومرة يكلموه بكلام ممزوج بالسم والعسل مصورين له أتعاب الفضيلة الشاقة كما فعل الذين جسوا أرض الـميعاد وقالوا لبني إسرائيل انها تبتلع سكانها، وبأقوال حواء إنجر آدم إلى مخالفة الله.  تمثال البرتوس الكبير والقديس توما [ لقد أتلفت عملاً اشتغلت به يداي 30 سنة]  وهكذا الـمشكك يتلف عمل الفداء الذى قام به الـمسيح مدة 33 سنة لا بل إلى آخر الأيام.  مثل الـملكة التى ولدت طفلاً ولكن الـمرضع رمته عمداً من أعلى القصر. الـملك هو الـمسيح والـملكة عروسته الكنيسة والـمولود هو الـمسيحي الذى أولده يسوع بأوجاعه على الصليب والكنيسة ولدته ثانية بالـمعمودية وفيما هى تفرح به والله يفرح به قائلا هذا هو إبني الحبيب الذى به سررت وسكان السماء يفرحون لأنه سيكون رفيقاً فى السماء وإذ بك أيها الـمـُشكك الأثيم حملته بـمثالك وطرحته فى هوة الخطيئة فماتت نفسه موتـــاً أبديــاً.

 

                      +++++++++++++++++++++++++++++

 

                      مـيثاق إتـبــاع يــســوع

أولا: عـمـل..إعـمـلوا

غريزة حب العمل ولدت مع مـيلاد الإنسان..”الإنسان الذى لا يشتغل لا يأكل” وقال الـمسيح ” أبـي حتى الآن يعـمل وأنا أيضاً أعمل”. والعـمل وصية قديـمة ” ستة أيام تعمل وتصنع جميع عملك” وشخص يسوع إستمر دائما يعمل ” ينبغي أن أعمل أعـمال ألذى أرسلني مادام النهار. يأتى ليل حين لا يستطيع أحد أن يعمل” والرسول بولس يقول ” فى كل شيئ أريتكم أنه هكذا ينبغى انكم تتعبون وتعضدون الضعفاء متذكرين كلمات الرب يسوع الذى قال مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ”. الـمسيح يوصي بالعمل ولكنه يسمو بنا وبالعمل، فلا يريدنا أن نجعل هدف أعمالنا مادياً، بل أن نجعل الهدف روحياً وذلك تمجيداً لإسمه تعالى. والوصية تقول ” إعملوا لا للطعام الباقي..”

إذاً..ليس العمل شكلاً أو مظهراً خارجيا..كالتينة عديمة الثـمر..فيها أوراق فقط..أين الثـمر؟..أين عبادة الروح؟..أين صلاة الإيـمان؟..أين الـمحبة والقداسة والتواضع والخدمة..؟

لا شيئ غير الورق..مجرد هيكل من ورق..

قال يسوع” لا تهتموا قائلين ماذا نأكل أو ماذا…هذه كلها تطلبها الأمم..أما أنتم فأطلبوا أولا ملكوت الله وبره وهذه كلها تزاد لكم”.

ومـا يساعدنا على العـمل الـمثـمر:

1. كلمة الله – “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان…”

2. إحتقار أباطيل العالـم – أي الحياة الفاضلة وإنكار الذات بأن ننتصر فى معارك جهادنا الروحي على إهتمامات العالـم.

ثانيا: عدم تأجيل العمل..”اليوم يوم خلاص..الوقت وقت قبول”

ثـالـثا: عـدم النـظر إلـى الوراء ..قال الـمسيح “من وضع يده على الـمحراث لا يلتفت إلى الوراء” وقال بطرس للـمسيح “ها نحن قد تركنا كل شيئ وتبعناك”..

رابعاً: الأمـل وعدم الفشل ..التلاميذ فى السفينة وسط البحر، الأمواج شديدة والريح مضادة..ولكن يوجد يسوع ماشيا على البحر ” أنا هو لا تخافوا”

خامساً: العمل من أجل الطعام الباقي فيه رجاء وعزاء..نقول فى القداس الإلهي “كلما تأكلون من هذا الخبز….” ففى سر الشكر رجاء بالقيامة المجيدة..بالحياة الأبدية.

 

                   ++++++++++++++++++++++++++++

 

             الـقيامــة …و الــفرح الـحقيقي..

 

الـمسيح قــام..وقيامة الـمسيح هى الـمفتاح الذى به نكتشف أسرار الحياة..لأن يسوع هو الطريق الحقيقي..ونعرف الفرح الحقيقي..إن اللاهوت ظهر وتجلى فى القيامة..وفى كل ظهورات الـمسيح حاول إعادة الحياة والطـمأنينة للرسل..والفرح الدائم لهم. إن الإيمان بقيامة الـمسيح مبني على الشهادة..ونحن فى الحياة لـمسنا قيامة الـمسيح فينا من خلال كل شيئ حولنا..فلإختبار الشخصي يعطينا أساساً قوياً. بولس الرسول رأى الـمسيح بعد صعوده..أغناطيوس شاهد الـمسيح بشكل نور.

لا ننسى أن الإيمان هو عطية من الله..والفرح الروحي ناتج من الإيمان..فرح الإيمان وفرح الرجاء.

إن الرسل عندما تلمسوا سر القيامة بدأوا يعيشون من جديد. أول ما إختبروا قيامة الـمسيح ذهبوا لـيخبروا ولـم يحتفظوا بشيئ لأنفسهم. فلنطلب من الله أن يعطينا الفرح الدائم الـمبني على إيماننا به وبـمـجده. إختيار ال 12 كان أساساً للرسالة ولكن الذى ميزهم عن الأخرين بنوع خاص أن يسوع جعلهم يدخلون فى سره هو..كانوا هم الـملتزمين..وإلتزامهم إستحق لهم أن يكشف يسوع سره لهم..”أنتم أعطي لكم أن تعرفوا أسرار الـملكوت” وذلك ليكونوا الأعمدة التى تبنى عليها الكنيسة. ونحن المؤمنين لنا تقريبا هذا الحظ..الكنيسة تعطينا إمتيازات ووسائط نحو الكمال وقد حررنا الرب من عبودية الخطية فلذا عندنا إمتيازات روحية..تمارين روحية ..نصوص رهبانية..أقوال وأعمال القديسين، كل ذلك لكي نكتشف نحن أيضا أسرار الله بشرط أن ننتبه ونقدر كل هذه العطايا والنعم. إن الرسل أغلقوا الأبواب على أنفسهم..كانوا جماعة واحدة..محور حياتهم كان شخص يسوع..وبالتالي نحن اخوة يسوع..رفقاء يسوع..محور حياتنا هو يسوع وفرحنا الروحي مثل حياة الإيمان يجب أن ينمو ولا ينقص..يجب أن تكون فينا حياة الإبتسامة والرضا الإيجابي..”ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب”. فالفرح يجب أن يكون فينا لأن الفرح هو وجه الـمحبة. فإذا آمنت بأني محبوب فهذا يترجم فى حياتي بالفرح ويترجم للأخرين بالإبتسامة.

الفرح فضيلة نطلبها من الله..لازم أفرح لأن الله يحبني..يشغلني عن حياة الفرح إنهماكي الزائد فى العمل مـما ينسيني حياة الفرح ولذلك يلزم ان نعمل أعمالنا بكل تواضع ليكون فيها روح الله وبذلك نستثمر الوزنات لهدف أعظم هو مجد الله..هكذا نعمل أعمالنا بروح الإيمان..ويجب أن لا نجعل نشوة النجاح والإنتاج تسكرنا..يجب أن نكون ناضجين ونعرف نتحكم فى أنفسنا..لأن الإنسان ليس عبداً لأعماله، لأن العمل هو عمل الله وليس عملي أنا..الـمهم أن نشاهد الله فى العمل كما يقول القديس أغناطيوس “أن نعمل مع الله..أن أكون آداة فى يد الله”..أن نكتشف كيف يتصرف الله معي..أن نرى كيف يتعامل الله معنا وكيف نحن نتعامل معه..أتأمل الله فى حياتي..فهو لا يزال يعمل في..وهذه أهم وسيلة لنعرف الفرح الدائم ونـمارسه يومياً.

 

                         ++++++++++++++++++++++

 

                          الـمــســيح والـخـطــأة

إن قصة الله مع الإنسان قصة مـدهشة، لأنها قصة حب. والـغفران مـن أسـمـى مـزايا الحب. وهذا مـا عـبر عـنه الـكتاب الـمقدس.

لـــوحــة الـعــهد الـقـديــم:

فـاللوحة الأولـى عن الله الغفور يرسـمها العهد القديم فى أسفار التوراة والأنبياء. تشدد كتب التوراة على التوبة كشرط أساسي للـمـغفرة. وظهرت علامات التوبة بإرتداء الـمسح وتـمزيق الثياب وبرش الرمـاد على الرأس وبالصوم والصلاة وتقدمة الذبائح. وهذه كلها مـمـارسات خارجية حذر الأنبياء من خطر الإكتفاء بها إن ظل قلب الإنسان بعيداً عن الله. فنادوا بالتـوبـة الـداخلية، بـختان القلب، بالرجوع إلى الله الذى لا يريد موت الخاطئ بل حياته. وهذا مـا عبر عنه حزقيال بقوله”ألعل مرضاتـي تكون بـموت الـمنافق يقول السيد الرب. أليست بأن يتوب عن طريقه فيحيا..أنبذوا عنكم جميع معاصيكم..وإصنعوا لكم قلباً جديداً وروحاً جديداً. فلـماذا تموتون ياآل إسرائيل فاني لا أرتضي بـموت من يـموت يقول السيد الرب فاستتيبوا واحيوا” (حز18).

ولكن أنى للإنسان الخاطئ أن يقلع عن خطيئته؟..كيف يستطيع أن يتخلص منها بقواه الضعيفة؟..لقد قام بـمحاولات كثيرة فباءت كلها بالفشل.

لـوحـة الـعهد الجديد:

إن اللوحة الأولـى كانت بـمثابة نداء يطلقه الخالق، الـمحب، إلى خليقته لتعود إليه لأنه يحبها. ولكن هذا النداء ظل دون جواب نظراً لعجز الإنسان الأساسي. فاستنبط الله طريقة أخرى رسمها فى العهد الجديد. لقد أرسل الله إبنه إلـى العـالـم، فعاش الإبن مع الناس متشبها بهم فى كل شيئ ماعدا الخطيئة..”لـيلاحقهم”..ويردهم إلـى البيت الأبوي.

بدأ يسوع رسالته داعيا إلـى التوبة، مـكـملاً بذلك نداء الأنبياء من قبله. غير أنه تخطى هذا الأسلوب، أسلوب التنبيه والتحذير لأنه لا يبدل شيئا فى مواقف الإنسان الجوهرية. لذلك عاش مع الخطأة إلـى حد أنه أثار الشكوك من حوله. أحقاً هذا هو الـمسيح الـمنتظر ويعاشر الخطأة ويقبل تكريم الزانية؟..لو كان الـمسيح لعرف أن يميز الخطأة من حافظي الشريعة، لعرف أن ينبذ أولئك ويقيم مع هؤلاء. هكذا فكر فيه معاصروه أبناء الشريعة. أمـا منطقه هـو فكان مـغايراً لتفكيرهم. فالخاطئ فى نظره إنسان على صورة الله، مـحبوب لأنه إبناً لله، فلابد من الإهتمام به لأنه بحاجة الى الخلاص أكثر من غيره. لذلك يلتفت إليه الـمسيح بحنان كـمـا إلتفت إلـى زكـا ونزل عنده يدعوه إلى إتباعه ، كمت دعا متى العشار. يصد الجموع الـمتهافته إلى رجم الزانية-وهم شركائها فى الخطية-ويعيد إليها الثقة برحمة الله ويخلق فيها قلباً جديداً. لا يتوانى فى موآكلة الخطأة كاشفاً لهم وداعته وعيشه معهم عن حنان الله. وبرر الـمسيح تصرفه هذا بأقواله وأمثاله (لو15) فلأصحاء ليسوا بحاجة الى طبيب بل الـمرضى. ومن له مائة خروف وأضاع واحداً منها يترك قطيعه كله بحثاً عن الخروف الضال، فإذا وجده حمله إلى بيته فرحـاً…هكذا يكون الفرح فى السماء بخاطئ واحد يتوب أكثر منه بتسعة وتسعين من الأبرار لا يحتاجون الى التوبة.

وذروة أمثاله فى هذا الـمجال..مثل الإبن الشاطر. إن مـا يشدد عليه الـمسيح فى هذا الـمثل هو حنان الآب ورحمته. فالأب هو الذى أسرع الى ملاقاة إبنه عندما رآه من بعيد وإنحنى عليه يقبله طويلاً دون أن تصدر عنه أية كلمة عتاب أو تأنيب. لقد أعاد الإعتبار الى إبنه وفرح به فرحة كبرى لأن ابنه كان ميتاً فعاش وضالاً فوجـد.

هـذه هـى صورة الأب السماوي كـمـا يجب أن تبدو للإنسان الخاطئ، وهذا هو موقفه الذى جسده الـمسيح فى حياته مع الخطأة والعشارين الذين كانوا يتوافدون عليه لسماع كلامه..لقد جذبهم بلطفه ووداعته وحنانه، فـما كان منهم إلا أن أقلعوا عن عاداتهم السيئة وتصرفاتهم السابقة واتبعوه لأنهم لـمسوا فيه ذلك الإنسان القريب منهم والقريب من الله، يحبهم ولا يوافق على سلوكهم لأنه يتعارض مع محبة الله ويؤذيهم. فأبان لهم أن الله ليس بديان قاسي يحكم عليهم كما يحكم الناس، إنما الله أب شفوق رحيم يريد توبة الخاطئ. ولذلك لـم تتوقف محبته عند حد بل دفعته إلى أن يرسل إبنه الى العالـم “لا ليحكم على العالـم بل ليخلص به العالـم وينال الحياة الأبدية” (يو 16:3-17).

نــهــج الـمـسـيح:

إن الـمسيح، إبن الله الـمتجسد، الحامـل خطايا الناس، بـموته على الصليب، تخلى عن ذاته وقدم حياته تقدمة حب لأبيه. وسلوكه هذا بين لنا أن الخطيئة التى تفصل عن الله وتجلب الـموت ليست هى الحل الذى يريده الله للإنسان. الحل هو فى الإنتصار على الشر وعلى الخطيئة والـموت بالقيامـة أي الحياة مع الله وبقوة الله لا بـمعزل عنه. الإنسان وحده لا يقدر على تحقيق هذه الغاية، هذا هو إختبار العهد القديم. لكنه مع الـمسيح يستطيع أن يعيش هذه الـمغامرة لأن الـمسيح لـم يعطينا مثلاً نتبعه بل رفعنا معه الى مستوى الأبناء. ومـا يُطلب من الـمسيحي هو أن يتأصل فى الـمسيح ويتعمق فى ممارسات إيمانه كسر الـمصالحة مصلاً فيكشف من جهة ضعفه وعجزه عن تحقيق تحرره وخلاصه بيده ومن جهة ثانية حنان الله الـمتجلي فى الـمسيح فيقلع عن تصلبه فى الشر وعن إكتفائه الذاتي، ويفتح قلبه وقعله ليقبل عطية الله أي الـمسيح بالذات. وعندئذ لا بد له من أن يصرخ ااشكر لله الذى أحبني الى هذا الحد وأعتقني من العبودية فأصبحت حياً وقوياً بالـمسيح الذى يحيا في ويقويني.

                            ++++++++++++++++++++

   ” وعـلى الأرض الـســلام وبـالنـاس الـمسرة”

وعـلى الأرض السلام:

الـمسيح هو رئيس السلام فهو القائل لتلاميذه “سلاماً أترك لكم.سلامي أعطيكم. ليس كـمـا يعطي العالـم أعطيكم أنا”.

ولـســلام الـمسيح مـيزتان:

الأولى: هو لسلامه الخاص الذى جاء به من السماء لينشره فى الأرض.

والثانية: و ليس كالسلام الذى يعطيه أبناء العالـم.

فـالـمسيح هـو رئيس السلام لأربعة أمـور:

1. لأنه رسول السلام..من السماء الى الأرض وليس رسول النقمة والدينونة. لو عدنا الى الوقت الذى ظهر فيه الـمسيح ليبعث السلام الى قلوب الناس، فقد كانت روما ملأى بالشرور والـمفاسد والألهة الـمخيفة وكذلك مصر وأثينا وقد كان الشعب اليهودي لا يتذكر عن إلهه سوى رعود سيناء..فجاء الـمسيح ينشر لواء السلام السماوي على الأرض. والعالـم اليوم يتمـخض بحرب طاحنة كما يقول الخبراء بأحوال العالـم السياسية  ومحبو السلام بين الناس يعملون بطرق متعددة ليحولوا دون وقوع هذه الكارثة الـمخيفة،ولذلك فهم يعقدون الـمؤتـمرات الدولية ويعملون على تحديد الأت التدمير الجهنمية وياليت الجميع ينظروا فى مثل هذا اليوم الى السلام الحقيقي الذى جاء به يسوع دواء للعالـم أجمع.

2. لأنه منشئ السلام بين إنسان وإنسان: فكم من مرة أعاد الـمسيح السلام الى قلبين متباعدين وجمع بين شخصين متنافرين ولا يزال يدعونا الى الإقتداء به.

3. لأنه مانح الضمير سلامـا بتحقيقه مغفرة الخطايا: فقد جعل السلام بيننا وبين الله، فإنه صالحنا معه بدم صليبه.

وبالنـاس الـمسرة:  لأن هذا أمر كبيعي ان الذى يحصل على الخلاص يشعر انه مع الله وان قلبه مـمتلئ سلاماً وطمـأنينة لذلك يُسر ويفرح.

1. يُسر ويفرح كل إنسان لأنه تخلص بالـمسيح من عبودية الخطية:

لأن من يعمل الخطية هو عبد للخطية، لكن الـمخلص يسوع قد خلص الجميع من عبودية هذه الخطية فهو وجده حمل الله الذى يرفع خطية العالم. فإن خطايانا الكثيرة التى تقف حجاب كثيف بيننا وبينه لـم تمنعه عنا بل إخترق هذا الحجاب ونفذ منه الينا، فقد إنعطف قلبه نحونا وحن علينا وأحبنا، لـم يكن فينا مـا يُحب.. ولكنه قال “نعيمي مع بني البشر” فمن تحت الأثواب البالية التى كنا نتزر بها أمكنه أن يرى جوهرة مطهرة بالدم الكريم ومغتسلة فيه..أمكنه أن يرى هذا الإنسان الذليل إبنا للـملك السماوي..فـما أمـجد عينيك يايسوع التى ترى فينا مالايراه الناس بل ما لا نراه نحن فى أنفسنا.

2. يُسر ويفرح كل إنسان لأنه تخلص بالـمسيح من أسر الشيطان:

إنه يسوع بـميلاده فتح لنا أبواب السماء..أبواب الـمجد..أبواب القصر الـملكي..

إنه بـميلاده وهب لنا ميلاداً ثانيا وبه لنا حياة جديدة تتفق والحياة فى قصره وفى سمائه وفى مـجده.

إن مـيلاده أعجوبة العجائب..فياللعجب لهذه الـمعجزة الفذة..الخائن يُعطى طبيعة الأمانة..الكاذب يُوهب لسان الصدق… النجس يُبرر… الأثيـم يُطهر..البعيد يُقرب..الـضال يُرد..الفـاجر يصير إبنا لله. مـا أعجبك أيها الطفل العجيب وما أعجب مـحبتك.

وُلــد الـمسيح..وفـى مـيلاده ثــروة

وُلــد الـمسيح..وفــى مـيلاده رحمــة

وُلــد الـمسيح..وفـى مـيلاده مـحبة

فيا أيها الأخوة الأحباء..هـل وجدتم ثروة كهذه الثروة؟؟؟

إنه ابن الله وابن الإنسان أيضاً..قرة عين السـماء وبهجو قلب الأرض..سوسنة الأودية..كامل فى خلقته..عجيب فى ميلاده..قوي فى موته..قادر فى حياته..مـحب منقطع النظير، لا بل لو إتحدت كل الـمحبات الأرضية لكانت غير جديرة أن تلمس طرف ثيابه أو أن تحل سيور حذائه..الكلمات تعجز عن وصفه..والريشة تقصر عن رسمه وليس لنا ما نقول عنه إلا “انه علـم بين ربوة بجملته شهي”..

إنه أحبني..

فقد أكون فقيراً معدمـاً ولكن يسوع الذى ولد فقيراً هو لـي..

قد أكون عاطلاً من الـمواهب ولكن يسوع الـمانح الهبات هــو لـــي..

قد تكون يدي خالية مـما أحتاج ولكن يسوع الغزير البركات هــو لــي..

نعــم ..هــو بـجـمـلته لـنا..بلاهـوته..بناسوته..بحياته..بصفاته..بكـمالاته..بكل ما كان..بكل ما سيكون..بكل ما عمله ..وبكل ما سيعمله..بكل ذلك هــو لــي..

هــو لنا من هـامة رأسه الذهبية إلى أسفل قدميه الـمقدستين..كل قلبه ذي الـمحبة الغير مـحدودة…كل ذراعه ذي القوة القادرة على كل شيئ..كل رأسه ذات الحكمة الـمنقطعة النظير..هذا هو الـمجد العظيم الذى فزنا به وهذه هى السعادة الكبرى التى حصلنا عليها..

 

                          ++++++++++++++++++

 

                                              يوحنا 22:6-27

فـاه الـمسيح بهذا الحديث جواباً على سؤال اليهود..”يامعلـم متى صِرت إلـى هنا؟” ، وفى هذه الـمحادثة أظهر الـمسيح الفرق العظيم بين الطعام الفاني والطعام الباقـي..

إن يسوع الـمترفع عن سفاسف الغايات الجسدانية، لـم يكترث لإحتفائهم به، ولـم يحاول أن يحل لهم اللغز الذى تعقد فى أدمغتهم، مع ان ذلك كان ميسوراً له، فيتمجد فى نظرهم، متى أعلمهم انه مشى على الـماء. لكن تعظيمهم إياه لـم يصرفه عن توبيخه إياهم، فأجابهم بلغة الواثق الـمطمـئن، صاحب السلطان الـمطلق” الحق الحق أقول لكم انكم لـم تطلبوني لأنكم نظرتم الآيات بل لأنكم أكلتم الخبز فشبعتم..إعملوا….”. ففي جوابه هذا نجد:

توبيـخـاً…نصحــاً..حجة دامـغة

1. توبيخاً: لقد أجاب الـمسيح على أفكارهم، لا على كلامهم، فوبخهم على الجسدانية التى طبع بها إعجابهم به، والأنانية التى وضحت فى تفتيشهم عليه. نعم رأوا معجزته، لكنهم لم يروا فيها “آية” لأنفسهم، فكانت عيونهم شبيهة بعيون التمـاثيل المتحجرة..مفتوحة لكنها لا ترى، فبدلاً من أن يروا “آية” فى الخبز رأوا خبزاً فى الآية. ذلك لأنهم نظروا إلى الآية بعيون بطونهم لا بعيونهم الباطنية، فلم يروا فيها إلا الأرغفة والسمك. أما قدرة الله، أما حكمة الله وعنايته، فهذه قد خفيت عنهم بإرادتهم.

2. نصـحـاً: “اعملوا لا للطعام الفاني بل للطعام الباقي للحياة الأبدية”..فى هذا النصح أرادهم الـمسيح أن يقلعوا عن طلبهم الأمور الـمادية الفانية. وحضهم على أن يطلبوا القوت الحقيقي الدائم.

أن كل طعام مادي، لا محالة بائد وزائل..فى كيانه وفى تأثيره، فهو يشبع اليوم ليجيع غدا وفى النهاية يزول. إن فى قول الـمسيح هذا، شيئا من الغرابة فقد نهاهم عن أن يعملوا للطعام الفاني، الذى لا ينال عادة إلا بالكد وعرق الجبين (تك 19:3) وحضهم على أن يعملوا للطعام الباقي، الذى لا يُنال عادة بالتعب والكد، بل بلإيمان، فهو عطية من إبن الإنسان. بقوله “اعملوا” هو “اهتموا واطلبوا”..انهم كانوا يطلبون شخصه طمعا فى النفع الذى يأتيهم منه، فأرادهم أن يطلبوا شخصه، حباً فيه فيأتيهم منه خير أبدي خالد. ومع ان الطعام الباقي يعطيه لنا الـمسيح، لكننا لن نناله إلا إذا طلبناه بإهتمام وعملنا من أجله. لأننا بإختمامنا نعد أنفسنا للطعام، لا نعد الطعام لأنفسنا.

-وان قوله “للحياة الأبدية” يصف الطعام الباقي فى فاعليته..وفى بقائه.

– وقصد بقوله “يعطيكم” أن يرفع أنظارهم الى طعام أفضل من الذى أعطوه فى الـمعجزة لأن طعام الـمعجزة لـم يكن سوى رمز له.

– ولقد وصف الـمسيح نفسه هنا يقوله “ابن الإنسان” لأنه يهبنا هذا الطعام عن طريق تجسده. بل بتجسده صار هو طعامنا الروحي الخالد.

3. حجة دامغة: “لأن هذا قد ختمه الله الأب” وختم الله للمسيح يراد به شهادته له بأنه إبن الله وبأن الله قد وهبه لبني الإنسان وذلك:

أ- شهادة الكتاب الـمقدس الذى هو كلمة الله

ب-بالصوت الإلهي الذى سُمع وقت الـمعمودية

ج- بتأييد الأب له بالمعجزات وسائر أركان خدمته على الأرض.

لازم ننظر الى الـمسيح بعيون الأب..كما ينظر اليه الأب السماوي “هذا هو إبني الحبيب”..”كل ما هو لي هو لك”..الأب يجذبنا الى الإبن..والإبن يشير الى الأب. الـمسيح هو الإشارة التى يعملها الله للعالم ليكشف لنا عن نفسه..هل نحن آية الله؟..هـل نحن إشارة الله؟..البراهين لا تجدي نفعاً..بالكثير تسند أو تؤيد.. ولكن الإيمان عمل داخلي..هل أنا حساس لإشارة الله؟ ويسوع هو الإشارة الواضحة..”هكذا أحب الله العالـم…”.

عندما تكلم الـمسيح عن أكل الخبز..وعملية الأكل تنتج إندماج..الـمأكول والآكل يصبح واحداً..ليس الإيمان هو عملية تصديق حقائق..الإيمان هو أن نصبح واحداً مع الله..مع الـمسيح.

نطلب من الـمسيح أن يفهـمنا..ويكون ذلك بكل بساطة وتواضع..لأن الإيمان يتطلب أن نتتلـمذ لله.

 

                       +++++++++++++++++++++++++++

 

                            سـيـدة الـعـنـصـرة

 

جاء اليوم العاشر بعد الصعود..اليوم الخـمسون بعد قيامة الـمسيح. فنحو الساعة التاسعة صباحا “حدث بغتة صوت من السماء ريح شديدة تعصف وملأ كل البيت الذى كانوا جالسين فيه، وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار فإستقرت على كل واحد منهم فإمتلأوا من الروح القدس وطفقوا يتكلمون بلغات أخرى كـما أتاهم الروح أن ينطقوا “(أع 1:2-4). هؤلاء الجليليون الأنانيون الجبناء الأرضيون تغيروا فجأة وأصبحوا رجالاً آخرين يبشرون بالكلمة بكل جرأة ويأتون للـمسيح بأنصار وأتباع (أع 1:2).

حـلول الروح القدس على مـريم:

وحل الروح القدس على مريم أيضاً، لا لكي تتكلم بلغات أخرى أو لتقوم بعمل التبشير كسائر الرسل، بل لتظهر رسالتها الخاصة. فإذا كانت نعمة الروح القدس على قياس الإستعدادات الشخصية، فإن إستعدادات مريم كانت تفوق كل ما وجد فى الرسل من حسن إستعداد. ففى الحبل بها بلا وصمة الخطيئة الأصلية، حل الروح عليها ليهيئها لأمومتها الإلهية. وفى يوم البشارة، حل عليها بفيض أغزر ليجعلها أم يسوع وأمنا فى يسوع. وفى يوم العنصرة أتـى إليها ليجعلها أم الكنيسة التى هى إمتداد يسوع.

مـريم نــمو الكنيسة:

وكانت الكنيسة فى ذاك اليوم نفسه تنمو بنوع عجائبي، فقد إنضم فيه ثلاثة آلاف شخص من اليهود. وهذا يجري فى أورشليم، التى سمعت أجواءها منذ سبعة أسابيع صرخات البعض الضارية “ارفعه، أصلبه”. ثلاثة آلاف تلميذ لإبنها، وثلاثة آلاف إبن جديد لها. وهؤلاء ليسوا فقط من اليهودية، بل من العالـم كله، لأنهم أتوا من جميع شعوب الأرض، ورجعوا يحملون لجميع الأمم بشرى الخلاص وإسم يسوع وشعلة محبته التى لا تدانيها محبة.

إن الفرح الذى خالج فؤادها لكبير..وأم الولد الوحيد تصبح أم جمـاهير لا يحصرها عد.

السنوات الأخيرة:

إن ذكر مريم فى العلية الصهيونية كان الخبر الأخير الـمباشر الذى ينقله الكتاب الـمقدس عنها. فإنه يرينا الرسل (فى الفصول الأولى من سفر أعمال الرسل) مـنكـبين على العمل والتبشير وتوزيع العماد وقبول ألوف اليهود والوثنيين فى حضن الكنيسة وإجتراح العجائب، ومناقشة الـمسائل العقائدية والتنظيمية..وفى كل هذا لا كلمة عن مريم. وذلك لأنها قُدمت للكنيسة لا لتكون مسئولة تقوم بـمبادرات وحركات يسجلها التاريخ، بل لتكون أماً تكون برفق نفس التلاميذ الأولين، حتى يكون فيهم “من الأفكار والأقوال ما هو فى الـمسيح يسوع” (فيليبي 5:2).

نـمو الكنيسة فى ظل مـريم:

وكان التلميذ يوحنا قد أخذ مريم الى بيته. وكل شيئ يحمل على الظن انها جعلت محل سكناها الإعتيادي فى أورشليم، وذلك فى الآونة التى عقبت موت الـمسيح. عاشت إذن فى تلك الـمدينة التى شاهدته يُعلـم ويتألـم ويموت ويقوم من القبر منتصراً فى اليوم الثالث. وكانت ترى أيضاً فى تلك الـمدينة الرسل الأخرين الـمقيمين والـمتنقلين. وإنضم الى هؤلاء منذ العنصرة عدة آلاف من اليهود، وعدد الـمؤمنين كان آخذا فى الإرتفاع بلا توقف. بالأمس شهدت مريم ما كان يسمـيه أعداء يسوع إنهيار عمله الكامل. والآن ترى هذا العـمل بالذات فى قوة ولـمعان عظيمين. فكان الرسل يكرزون، ومريم تصلي، والكنيسة تزداد نـمواً.

وكانت قدرة إبنها تتفجر فى كل مكان..

وجرت آيات كثيرة على أيدي الرسل بإسم يسوع الـمسيح “فكان الـمرضى يُحملون الى الشوارع ويوضعون على فرش وأسرة ليقع ولو ظل بطرس عند إجتيازه على بعض منهم فيبرأوا من كل علة بهم” (أع 12:5) . ” ” واجتمع أيضا الى اورشليم جمهور الـمدن التى حولها وهم يحملون الـمرضى ومن عذبتهم الأرواح النجسة فكانوا يشفون جميعهم” (أع 16:5).

وبهذا تمت الكلمات التى قالها يسوع لتلاميذه قبل صعوده الى السماء ” يخرجون الشياطين بإسمي ويتكلمون بألسنة جديدة ويحملون الحيات وإن شربوا شيئا مميتاً فلا يضرهم ويضعون أيديهم على الـمرضى فيتعافون” (مر 17:16-18).

مـريم وحرارة التقوى فى أولادهـا..

وما كان أشد حرارة التقوى فى أولادها الذين من اليهودية. فإن مشهدهم على هذه الحال كان يثير فى قلبها الفرح والغبطة. فتحت كنف مريم وبقربها كان التلاميذ الأولون يؤلفون أسرة واحدة “بقلب واحد ونفس واحدة” (أع 32:4) . ” ولم يكن أحد يقول عن شيئ يملكه انه خاص به، بل كان لهم كل شيئ مشتركاً” (أع 32:4). “وكانوا يلازمون الهيكل كل يوم بنفس واحدة” (أع 42:2-47) ويصغون الى تعاليم الرسل. ولـم تحظ كنيسة أورشليم بهذه الإمتيازات الروحية إلا لأن مريم كانت فى وسطها تنشطها وتغذيها وتذكي النار فيها. ومـا كان يعزي قلبها بنوع خاص هو ممـارسة “كسر الخبز” (القداس الإلهي) التى كان يقيمها التلاميذ فى أورشليم كل يوم مساءً “ويلازمون الهيكل كل يوم بنفس واحدة ويكسرون الخبز فى البيوت ويتناولون الطعام بإبتهاج ونقاوة قلب” (أع 26:2). ومـا كان أعذب هذا الإجتماع مساءً على قلب مريم ففيه كانت تجدد تذكاراتها القديمة ..التجسد الإلهي وفداء البشر..وكـم كانت تشعر بالغبطة حين كانت تضم يسوع إلى صدرها فى الإفخارستيا، فكان هذا التعانق السري ينسيها نوعاً مـا لوعة الفراق وكربة الـمتفى.

 مـريم الـشفيعة الـعـامـة:

وكانت مريم فى غرفة بيتها الوضيع، بتوسلاتها غير الـمنقطعة، تتهيأ لتلك الـمهمة الخطيرة التى سوف تتولاها وهى على عرش مـجدها، ألا وهى مـهمة الوسيطة العامـة. فإن صلاتها تشمل الجميع، إذ أن الجميع هم أولادها. و الجميع ينظرون اليها نظرة تقدير وإحترام.

واليوم مع مريم سيدة الرسل، لا يمكن أن نقف أمام صعوبات الحياة وأمام أعدائنا خجلين وبلا قوة، لا يمكن أن نكون مهزومين لأننا نختبر فى أنفسنا فعل قوة الروح القدس ومحبته الذى ملأنا بـمواهبه فى يوم العنصرة. فلـنـمتلئ مع مريم طـعاماً مقدساً فى يوم الخمسين.

 

هــل يـعـوزكــم آمــان وســلام؟