stay connected

- Advertisement -
الكنيسة الكاثوليكية بمصر

construct design

Travel

أدبية

فضيلة الرجاء (1)- بقلم: الأب رمزي نعمة

613views

untitled_05

الرجاء فضيلة هامة للإنسان بشكل عام. فلولا الأمل لما زرع الفلاح كرمه ولما بنى الإنسان بيته ولما دفع المسيحيون، إبان الاضطهاد، ثمن إيمانهم بالاستشهاد، ولما تغلّب المؤمنون على صعوبات الحياة. ذلك أن لكل فاعل هدف. وهدف الإنسان هو نيل المكافأة وهذا ما يجعله يجازف على تحمّل الصعوبات التي يجدها رخيصة بالنسبة للمكافأة التي ينتظرها. وإذا كانت المكافأة بشرية كان الرجاء فضيلة إنسانية وإذا كانت عند الله أو كانت الله نفسه فيكون الرجاء فضيلة إلهية، فائقة الطبيعة. وفقدان الأمل بالمكافأة يقود إلى هبوط العزيمة واليأس. وإذا يئس الإنسان من المكافأة العليا ألا وهي الحصول على الحياة الأبدية في السماء وقبل ذلك- على غفران الخطايا- فمعنى ذلك أنه لا يؤمن بها أو أنه لا يجد العزيمة للطموح إليها. فبذلك يستبدل الهدف العالي بهدف آخر أقرب منه منالاً فيستسلم للملّذات وإذا نهته نفسه عنها عاش بقوة كبريائه يكابد حياة شاقة لا نور فيها ولا هدف وكأنه ضحية ما يسميه القدر الذي لا يستطيع حياله إلا الاستسلام. وعبّر الشاعر ألفرد دي فيني عن هذه الحالة بقوله للإنسان على لسان ذئب يقف عند حافة الموت: “أيها الإنسان سِر بحِملك الشاق سِر في الدرب الذي خطّه لك القدر، ثم افعل ما فعلت، متّ بصمت وحذر”. 

أولاً: الرجاء في الكتاب المقدس

1) الرجاء في العهد القديم

كان الله رجاء إسرائيل في العهد القديم، (ار8:14، 13:17)

ويجب على الإنسان أن يجعل الله معقد رجائه حتى عندما يحجب وجهه (أش 17:8)

أي عندما يسحب رضاه. وسبب الرجاء هو أن الله مُخْلِصٌ لوعوده، وتشهد أعماله الجبّارة في الماضي على قدرته على المساعدة.

إن موضوع رجاء الآباء المذكورين في الأسفار الخمسة الأولى من العهد القديم كان النسل الكبير العدد والحصول على الأرضالتي وعدوا بها (تك 8:17، حز 8:3، الخ).

وجاء دمار مملكة إسرائيل عام 721ق.م. ومملكة يهوذا عام 587ق.م. ضربة شديدة لآمال شعب الله. غير أن الأنبياء أحيوا تلك الآمال بطريقة مختلفة. فقد تحدّث إرميا عن عهد جديد يكتبه الله في قلوب شعبه (31:31، 38:32-41). ووعد حزقيال أن الله سيتذكر عهده مع إسرائيل (حز 59:16-63). إن الله سيعطي شعبه قلباً جديداً وروحاً جديدة (حز 25:36-28). ولكن رجاء إسرائيل لم يمتد إلى ما بعد الموت. إن أولئك الذين ينزلون إلى الحفرة لا ينتظرون رحمة الله (أش 18:38). وعندما يموت إنسان فلن يوقظ من نومه (أي 21:14). وفقط في نهاية هذه الحقبة من التاريخ نجد تلميحاً للبقاء الشخصي بعد الموت (حك 5:5، 2مل 46:12).

 وللرجاء في العهد القديم بُعدين:

أ- على المستوى الاجتماعي:

ملحمة العهد القديم هي تاريخ مواعيد الله وتحقيقها رغم العقبات التي وضعها الإنسان في سبيلها وجحوده لها.

وانتظار تحقيق هذه المواعيد هو الرجاء بعينه. ومن بينها مواعيد زمنية مثل الخروج من مصر، عبور البحر الأحمر واحتلال المدن الكنعانية وبلوغ أرض الميعاد، وبعد السبي، حينما تحطّمت أحلامهم الزمنية بدأ يدب فيهم أمل العودة، وإلى جانب تلك المواعيد الزمنية كان الله يحضّر الشعب لأكبر وعد قطعه على نفسه ألا وهو إرسال ابنه ليخلّص الشعب العبري والعالم كله من الجهل والعجز الروحيين ولاسيما من الإثم والخطيئة التي تقف حائلاً دون بلوغ السعادة.وعبّر الأنبياء عن انتظارهم للمسيح المخلّص الروحي بينما بقي الشعب الجاهل ينتظر مسيحاً زمنياً. وسبب الرجاء بالله هو قوّته (كلما شاء صنع) وجودته الوالدية “لو نسيت المرأة رضيعها، لا أنساكم أنا يقول الرب”، ووفاؤه لقسمه “إني أفي بقسمي الذي أقسمته لإبراهيم” (تك 3:26).

ب‌- على المستوى الفردي:

يدعو كتاب المزامير لوضع الرجاء في الله: “طوبى للإنسان الذي يتوكّل على الرب” (مز33). ويقول المزمور 30: “بك اعتصمت يا رب فلا أخزى إلى الأبد، بصلاحك نجّني. أرهف مسمعك نحوي بادر إليّ وأنقذني. كن لي ملجأ عزيزاً. يا رب ما أعظم إحسانك الذي ادخرته لمن يتقونك، أجزلته للذين يعتصمون”. ويشير المزمور 5 إلى الذي يتكّل على الثروات: “هوذا الرجل الذي لم يتخذ الرب له حصناً، إنما اعتمد على وفرة ثرائه واعتز بأهوائه”. فيخاطب ذلك الإنسان قائلاً: “لذا فإن الله إلى الدهر يهدمك، ويقلعك، من خيمتك ينزعك، من أرض الأحياء يستأصلك”. 

وفي البداية لم يكن محدداً كيف سيبارك الله الصالحين. وفي سِفر الحكمة (23:2؛ 9:3) يبيّن أن الله: “خلق الإنسان للخلود”. وعندما يموت الرجاء الأرضي يولد الرجاء السماوي. فعندما قرر إبراهيم التضحية باسحق، ابن الموعد، تجلّى رجاؤه بالله، الذي يستطيع أن يمنحه أفضل من اسحق. وعندما مات رجاء الرسل بمسيح يكون قائداً زمنياً، بدأ يولد من رماد آمالهم المحروقة الرجاء بمسيح روحي جاء يخلّص العالم من الخطئية.

لم ينتهِ رجاء المسيحيين بمجيء المسيح وتجسّده. بل بدأ رجاء آخر بعودته مرة أخرى في نهاية العالم وقبلها عند نهاية حياتنا ليعطينا المكافأة المنتظرة. وتعبر الكنيسة عن هذا الرجاء، بشكل خاص، في زمن المجيء (قبل عيد الميلاد)، إذ تضاعف انتظارها واشتياقها لمجيء السيد الذي أعطى وزنات لعبيده وسافر لمدة غير محدودة وسيعود للحساب. وآخر كلمة انتهى بها الوحي المدوّن في العهد الجديد هي كلمة »ماراناتا« أي تعال أيها الرب يسوع.

أ‌-    الانتظار والسهر:

عبّر يسوع عن انتظار المسيحيين وسهرهم من خلال هذا المثل: “لتكن أحقائكم مشدودة وسرجكم موقدة وكونوا مثل رجال ينتظرون سيدهم متى يرجع من العرس حتى إذا جاء وقرع يفتحون له للوقت. طوبى لأولئك العبيد الذي إذا جاء سيدهم وجدهم ساهرين. الحق الحق أقول لكم إنه يشدّ وسطه ويتكئهم ويدور يخدمهم” (لو 37:12).إن محبتنا للمسيح وإيماننا برجوعه ليمنحنا المكافأة لهما الفتيل والزيت اللذان يشعلان قنديل الرجاء في ظلمة ليل البشرية.

ب‌-  ركائز الرجاء في العهد الجديد:

–   وعد الله وأمانته: “نحن واثقون من نيل العون في حينه” (عب 16:4). “والذي وعد هو أمين” (عب 23:10) ومن ناحية أخرى فإن المواعيد تحوّلت، بعد التجسّد، من الشعب العبراني إلى الكنيسة.

–   قدرة الله: الله وحده قادر على منح الخلاص الذي يستحيل بدونه. »إني عارف بمن آمنت وواثق بأنه قادر أن يحفظ وديعتي إلى ذلك اليوم« (2تيم 12:1).

–  محبته: مادام الله يحبنا فإنه لن يبخل علينا بقدرته. »الله الآب أحبنا وأعطانا الرجاء مجاناً« (2تس 13:2).

–  علاقتنا الحميمة بالمسيح: رأس جسد الكنيسة. قال القديس أغسطينوس معلقاً: “نحن منذ الآن معه في السماء. هو رأسنا ونحن جسده. وبما أنه صعد إلى السماء فلسنا منفصلين عنه”. وهو سبب رجاؤنا والقادر على تحقيقه.

–   الروح القدس: هو عطية الآب لنا ويجعلنا نجرّب مسبقاً حلاوة السعادة الأبدية. “قد أنيروا مرة وذاقوا الموهبة السماوية وجُعلوا مشتركين في الروح القدس وذاقوا كلمة الله الطيبة..” (عب4:6-5).

–  موت المسيح وقيامته: بموته استحق يسوع المسيح غفران خطايانا لبلوغ الخلاص. ثم أن قيامته صورة لقيامتنا، سبب رجائنا.

قال أغسطينوس: “نحن نعاين في قائدنا ما نرجوه لأنفسنا”. وتلخّص القديسة تريزيا الأفيلية ركائز الرجاء بقولها:”الله يعرف كل شيء ويقدر على كل شيء ويحبني”.

لقد تطوّر مفهوم الرجاء خصوصاً في كتابات بولس وإبراهيم هو نموذج الرجاء لأنه “آمن راجياً على غير رجاء” (روم 18:4). ويخلص المسيحي بالرجاء الذي لا ترى غايته (روم 24:8). والرجاء هو ثمرة الفضيلة الثابتة والمعاناة الصابرة (روم 4:5) وفي النهاية تثبت ثلاثة أشياء هي الإيمان والرجاء والمحبة (1كور 13:13) وهدف الرجاء المجد والقيامة (1كور 19:15). والرجاء يميّز المسيحي عن شعوب الأمم الذين هم بلا رجاء، خصوصاً في الحياة بعد الموت (أف 12:2، 1تيم 13:4). الرجاء مرساة تقودنا إلى ما وراء الحجاب (عب 19:6). وعلى المؤمن أن يعطي دليلاً على ما هو عليه من الرجاء (1بط 15:3).

ثانياً: تعليم الكنيسة

إن الرجاء هو تلك الفضيلة التي نثق بوساطتها ثقة ثابتة بأن الله القادر على كل شيء، والذي يفي بوعوده سيعطينا برحمته السعادة الدائمة والوسائل لبلوغها. إن المسيحيين يرجون الحصول على جزء من المجد الإلهي ورفقة القديسين، وذلك الرجاء متأصّل في رحمة الله وقدرته على خلاصنا. إن ثبات رجائنا غالباً ما يُرمز إليه في الفن بمرساة. ومهما كانت صلابة الرجاء يتوجب علينا أن نعمل لخلاص نفوسنا بخوف وارتجاف بسبب الفساد البشري. وعلى الأقل أن فضيلة الرجاء المُفاض عن طريق المعمودية ضرورية للأطفال بينما أعمال الرجاء ضرورية للبالغين لأنهم لا يستطيعون توجيه أعمالهم تجاه الله والسعادة الأبدية بدون رجائها. فاليأس من الخلاص وافتراض الحصول عليه دون جهد شخصي معناه ارتكاب خطيئة ضد الرجاء. فالرجاء بصفته فضيلة وفعل يستقر في الإرادة. وكما يفسح الإيمان الطريق للرؤية يفسح الرجاء الطريق للامتلاك في الحياة المقبلة.