stay connected

- Advertisement -
الكنيسة الكاثوليكية بمصر

construct design

Travel

عظات الأيام الطقسية

ملكٌ وعلى الصليب؟ -الأب داني قريو السالسي

935views

76

ملك وعلى الصليب؟

الأب داني قريو السالسي

مع هذا الأحد تختتم الكنيسة الكاثوليكية السنة الليتورجية (ج) بعيد يسوع الملك لتفتتح سنةً جديدة وزمناً جديداً، زمن المجيء.

لماذا تضع الكنيسة إنجيل الصلب هذا بالذات لتشير إلى ملوكية يسوع؟ عندما نسمع كلمة ملك، تروادنا مباشرة فكرة قصر، عرش، ثياب فخمة، خدم، حشم، حرس، سلطة، جاه، أبّهة… أما هذا المقطع الإنجيل فهو لا يمت بصلة للملوك أو الأسياد، هو نصٌ مختلفٌ تماماً عن فكرنا وعن منطقنا.

وليس فقط يختلف عن فكرتنا نحو المُلك والعزة، أنما ويتناقض حتى مع نظرتنا الى الله، خالق الأكوان ومالك الكل. لأننا نجد ملكاً مهزوماً، ضعيفاً، هشاً … ماهذا الملك الذي هو بلا قصر! وبلا عرش! وبلا  قرار!… ملك عريان! ملك بحاجة للافتة كي يُعرف أنَّه ملك!

كثيرٌ من الناس آمنوا ويؤمنون أنَّ يسوع هو رامبو، شخص لايقهر (أليس ابن الله!). كثيرون لديهم هذه الصورة عن الإله الجبار، القوي، القادر… مازال الله (حتى بعد مرور ألفي عام)ـ مستودعاً لتلبية رغباتنا، أو هو Robot روبوت حديث جداً، أترغب بشيء، صلّ إلى الله، ينفذ طلبك حالاً! وعندما تحصل على شيء، أشكره، هكذا أنت أفضل مسيحي!! لأنه بما أن الله قادر على كلِّ شيء، يجب أن يلبي رغباتنا نحن أبناءه!! بالتالي يكفي أن تطلب!! هذه هي فكرة البعض عن الله!

لاتزال رواسب الأفكار الوثنية عن الآلهه عالقة في إذهاننا. إنَّ هذه الصورة ليست إلا إسقاطاً لما نتمنى أن نكون. هي انعكاسٌ عما يجول داخلنا. نريد أن نكون ملوكاً، نريد أن نلبس الثياب الفاخرة، نريد أن يطيعنا الجميع، نريد أن نكون أصحاب الأمر والنهي، نريد أن نكتفي بذاتنا، نريد ونريد ونريد… ولا نريد أن نكون بحاجة لطلب العون من أحد. مع الأسف هذه هي صورة الله في بعض العقول. نريد ملكاً سهل المنال، نريد ملكاً يرضي أذواقنا، ويتجاوب مع آمالنا.

لا نريد ملكا يُستهزأ به من قبل الجميع (الرؤساء، الجنود، المجرم “لص اليسار”). الجميع يخاطبه بسخرية “خلص نفسك”، عبارة مؤلمة جداً، وتتكرر ثلاث مرات “خلص غيره فليخلص نفسه، إن كان مسيح الله المختار” ” إن كنت ملك اليهود، فخلص نفسك” “ألست المسيح فخلص نفسك وخلصنا” عبارة قاسية وجِّهت إلى يسوع من عدة طبقات من المجتمع. لأن العقلية السائدة هي هكذا الملك، أو الرئيس، همه الأول والأخير هو تحقيق أقصى قدر من المنفعة الشخصية. في هذه الأيام تكثر الحملات الانتخابية، ياترى هؤلاء المرشحون هل يسعون لتحقيق مصلحة الشعب أم لتحقيق مصالحهم الخاصة؟! لهذا تكررت عبارة: “خلص نفسك”، إن كنت قائداً، رئيساً، ملكاً، فأول شيء ستفعله أو يجب أن تفعله هو مصلحتك! لأن الملك يأمر, ينهي، يقرر… أهم شيء أن يتدبر أمره. إنّ هذا المنطق دخل حتى في حياتنا اليومية.

فكيراً ما نسمع بين الأولاد عبارات مشابهة: “خليك بشغلك” “أنا بعرف أقرر لوحدي” أو حتى توجيهات الكبار تكون في هذا الخط “كل واحد يهتم بحاله” “شوف حالك أولا” ونادراً مانسمع أحدٌ يقول: “ألا تفكر بالآخر” “ألا تظن أنك تتصرف بأنانية” إنها عبارت تكاد تنقرض من مجتمع اليوم.

إنَّ منطق يسوع هو منطق جديدٌ، هو منطق فريد من نوعه. فأول شيء يفعله أنّه يفكر بالآخرين “ياأبت أغفر لهم، لأنهم لا بعلمون ما يفعلون” واقعٌ جديدٌ علينا أن نكتشفه، علينا أن نختبره، أن نتناقله، لنكون ملوكاً حقيقيين.

يحكى أنه في أحد ألأيام كان هناك حبيبان في طريق مهجورة على دراجة نارية بسرعة تزيد عن 100 كم بالساعة. الفتاة: أبطئ السرعة, نحن نسير بسرعة كبيرة، أنا خائفة ولا أريد أن يحدث شيء. الشاب: هيا .. لا تخافي, أنا أعرف ماذا أفعل. أنتِ تشعرين بالسعادة صحيح. الفتاة :لا .. لا .. أرجوك توقف أنا فعلاً خائفة. الشاب: إذا أخبريني أنك تحبيني! الفتاة: أنا أحبك. الشاب :أرجوكِ عانقيني (الفتاة تـعـانـق الشاب). الشاب: هل تساعديني؟ وتأخذي خوذتي من رأسي وتضعيها على رأسك إنها تزعجني!! في صحيفة اليوم الثاني: دراجة نارية تحطمت في مبنى بسبب تعطل الفرامل والعثور على شخصين, لكن لم يبقى على قيد الحياة إلا شخص واحد.

في الحقيقة أنَّ الشاب في منتصف الطريق لاحظ أن الفرامل تعطلت، لكن لم يرد أن تعلم الفتاة بهذا، وبدلاً من ذلك جعلها تعترف بحبها له وتعانقه للمرة الاخيرة، ثم ألبسها خوذته كي تعيش.

الذي فعله هذا الشاب، فعلته وتفعله كلُّ أمٍ حقيقية، كم مرة تموت الأم من أجل سعادة أبنائها، كم مرة تحرم نفسها من أجل إرضاء أسرتها، كم مرة تذرف الدموع للمحافظة على استقرار بيتها، لهذا هي وهي وحدها فقط ملكة البيت.

يسوع، لم يخلص نفسه، بل خلّص البشرية بأسرها. أعطى ذاته، لم يفكر بذاته أبداً. والمسيحيون هم مسيح آخر على الأرض. آه، ما أجمل لو أنّ كلاً منا يفكر في الآخر. أقول لكم: سنحقق اسماء على الأرض، سنحقق الملكوت، لأننا سنكون كلنا ملوكاً.

لهذا يسوع لا يقبل تجرية الشعب “خلص نفسك”. من على الصليب يصلّي لأجلهم. لو كان غيره لتذمر، لصرخ، للعن… لكن يسوع لا ينطق بشيء من هذا القبيل. حتى وهو على الصليب بين المجرمين. “وأخذ أحد المجرمين المعلقين على الصليب يشتمه فيقول: “ألست المسيح فخلص نفسك وخلصنا!”. أنظر في أي حالٍ نحن، أصنع شيئاً لذاتك ولنا (منطق بشري محض). أما الثاني، فكان مندهشاً معجباً من هذا الذي أشرف على الموت ظلماً، ومع ذلك لم يتذمر، لم يلعن، لم يصرخ، لم يجاوب بوقاحة … إنما يبارك!

كم من مرةٍ عندما توجه لنا أصابع الإتهام نبدأ بالتبرير أو المراوغة. كم من مرة عندما نُظلَم، ننهال بوابل من الكلمات التي غالباُ لا تكون رفيعة المستوى. أمام هذا المشهد يقف أحد المجرمين منذهلاً بتصرف يسوع. أمام كل هذه التحريضات والاستفزازات يثابر على موقفه، لا ينساق حسب موضة العصر، لا ينجر لرغباتٍ دنيويةٍ محضة. كم من مرة نتخلى عن مبادئنا من أجل الحفاظ على منصبنا، كم من مرة نسكت ضميرنا من إجل إرضاء فلان أو علان. أمام موقف يسوع غير العادي، ينتهر زميله، لأنه رأى في يسوع شيئاً آخر، رأى فيه الملك الحقيقي، الذي لا يسيطِر على الناس عن طريق القوة، لا يجمع أصواتاً بالرشاوي، لا ينحاز عن مبادئه من أجل أرضاءِ من حوله. أنَّ هذا الملك يكسب الناس بالحب. لهذا ينتهر زميله قائلا: “أوما تخاف الله، وانت تعاني العقاب نفسه! أما نحن فعقابنا عدل، لأننا نلقى ما تستوجبه أعمالنا. أما هو فلم يعمل سوءاً” يريد أن يقول عندما تتكلم مع الملك، تكلم باحترام، تكلم بأدب. إنَّنا مدانون عدلاً أما هو فلم يقترف ذنباً. هل من رئيسٍ أو مسؤولٍ كبير لم يقترف خطأً أو لم يرتكب ذنباً؟ حروب العالم كلَّها أندلعت من جراء قرار أحد الرؤساء أو أحد المسؤولين الكبار. وينهي لص اليمين كلامه بتضرع لهذا الملك، بصلاة في غاية الجمال “إذكرني يا يسوع، إذا ما جئت في ملكوتك”. يناديه باسمه “يسوع”. إن لوقا البشير يضع كلمة يا معلم، يا رب على لسان الناس. أما هنا فاللص يناديه باسمه يا يسوع الذي معناه “يا مخلص” أذكرني يا مخلص متى جئت في ملكوتك. هذا المحكوم عليه بالموت. قد فهم أنّ من بجانبه ليس إنساناً عادياً هو ملك، ولديه مملكة. لهذا يتوسل اليه قائلاً: “أذكرني يا يسوع، إذا ما جئت في ملكوتك”. إن هذا المحكوم عليه بالإعدام، ينازع وفي نفس الوقت أدرك أنّ هناك عالما آخر، ممكلة أخرى. مع يسوع هناك مملكة الحب، مملكة الغفران، مع يسوع يمكن العيش الحياة بالملء، تحت سيادة ملك ومخلص في آن واحد. لا يطلب أن يخلصه، لا يطلب أن يخفف عنه العقاب، يطلب فقط ذكرى، تذكرني في ملكوتك، أعطني بصيصاً من محبتك، أستضفني في ملكوتك، أعرف أني خاطئ ولا أستحق، لكن أطلب فقط أن تتذكرني، ويسوع يبشره بأكثر مما يتمناه، قائلاً: “الحق أقول لك: ستكون اليوم معي في الفردوس”. يسوع يقبله، ليس لأنَّه عاش حياة قداسة، ليس لأنَّه لم يخطأ في حياته، ليس لأنَّ حياته كانت نزيهةً، إنما يقبله لأنَّه عرف يسوع كملك، استشف من تصرفاته أنّه إنسان وإله في آنٍ واحد، لأنه أفسح المجال ليسوع ليدخل قلبه ويخاطبه من الداخل، لأنه دعا يسوع لأن يملك على قلبه

          “أذكرني يا يسوع، إذا ما جئت في ملكوتك” لنجعلها صلاتنا هذا الأسبوع، لنفسح المجال ليسوع ليملك على قلوبنا، لنجعل يسوع يسود حياتنا وتصرفاتنا.