stay connected

- Advertisement -
الكنيسة الكاثوليكية بمصر

construct design

Travel

عن الكنيسة

موقف الكنيسة من الحرب بصورة عامة-الأب فرانسوا عقل المريمي

468views

imagescanbzr98

الكنيسة الكاثوليكيّة والحرب (1)

تمهيد

 

عرفت البشريّة الحروب منذ جريمة القتل الأولى في التّاريخ حين أردى “الأخ الأوّل” أخاه.

إنّها النّزعة “القايينيّة” الأنانيّة المختبئة في عمق باطنيّة الإنسان غير الواعية، تجنح فيه أحيانا نحو السّيطرة على الأشخاص والأشياء. مركّب “تنازع البقاء” هي، وتسلّط المرء على أخيه الإنسان عن غير وجه حقّ. إنّها تلك الرّغبة “الذِئبيّة” المكنونة في طبيعة الكائن البشريّ المجروحة بالخطأ الأصليّ، تهدّد تهديدا مبطّنا ودائما المجتمع الإنسانيّ بمختلف فئاته، وغنى تنوّعه، بتحويله إلى غابة “ذئاب متطوّرة” حيث يصبح الإنسان ذئبا لأخيه الإنسان Homo homini lupus.

 

وها ذاكرة التّاريخ القديم والحديث ما زالت تضجّ بصخب الحروب وغبار المعارك. فكم من قبائل ذبحت قبائل، وكم من شعوب أبادت غيرها، وكم من إمبراطوريّات سحقت أخرى واستعمرت مدنا واستعبدت أمما. فمن حروب الرّومان إلى غزوات البرابرة والتّتر، إلى حملات الفرنج، إلى هجمات صلاح الدّين وفتوحات المماليك وتيمورلنك والعثمانيّين ونابوليون بونابارت، ناهيك عن الحربين الكونيّتين وغيرها الكثير من الصّراعات والمعارك والخلافات…

 

 قد تدفع الحروب التّاريخ والطّبيعة إلى التّطوّر كما اعتقد هيغل Hegel، ولكنّ للتّقدّم الفعليّ وسائل أخرى سلميّة وحضاريّة، ترتبط بالفكر والعلم والثّقافة، أكثر منها بالعنف والقوّة والتّسلّط.

أمّا الكنيسة التي ذاقت طعم الاضطهاد والتّنكيل والاستشهاد، فهي عينها قد اضطرّت في مرحلة معيّنة من التّاريخ أن تدافع عن نفسها، وعن أبنائها ومقدّساتها، فأطلقت العنان في البداية، لحملات الدّفاع عن المقدّسات، بتأثير ذهنيّة تلك الحِقب وظروفها، فانحرفت حملاتها عن مسارها الأساسيّ، إذ تداخلت فيها مطامع الملوك ومصالح الحكّام فلمست حقيقة قول السّيّد: “من يأخذ بالسّيف بالسّيف يؤخذ”. 

أدركت الكنيسة حينها، أنّ القوّة ليست خير وسيلة للدّفاع عن الحقّ. والحرب وإن غيّرت معالم الجغرافية أحيانا، فهي لا تطوّر مسار التاريخ أبدا، بل قد تعود به إلى الوراء.

 

لذا، منع المجمع اللاتيرانيّ الثّاني عام 1139، في القانون 29، تحت طائلة الحرم الكنسيّ، مهارة النّبّالين والقذّافين المميتة والمنبوذة من الله في المعارك بين المسيحيّين (Conciliorum Oecumenicorum Decreta, a.c.d. G. Alberigo – G. L. Dossetti- P. P. Joannou- C. Leonardi – P. Prodi, dell’Istituto per le scienze religiose, EDB, Bologna 1996, p. 203).

بناءً على ما تقدّم، سنحاول في هذا البحث المقتضب، استقراء مواقف الكنيسة الكاثوليكيّة المقدّسة وتعليمها، بما يتعلّق بإشكاليّة الحرب والسّباق إلى التّسلح بين الدّول، وتسليط الضّوء على مفهوم السّلم ولاهوت السّلام.

 -Iشجب الحرب بصورة عامّة

ما انفكّ شبح الحروب يجتاح كلّ يوم بعض بلدان العالم. والحروب على أنواع؛ فمنها “الأهليّة” التي تشتعل بين فئتين أو أكثر من الشّعب الواحد، ومنها “الخاطفة” التي لا تدوم طويلا، ومنها “الباردة” وهي بمثابة صراع دائم أو طويل الأمد، و”الاستنزافيّة” التي تعتمد خطط المناوشات المتقطّعة، ومنها “الدّينيّة”، و”النّفسيّة” و”الاقتصاديّة” و”الإعلاميّة”… إنّ هذه الأنواع المختلفة من الحروب وغيرها ما لم نذكره، تندرج جميعها في خانة العنف الذي ترفضه المسيحيّة بصورة عامّة. وعليه، كم كان مصيبا قول غاندي Gandhi الشّهير: “العين بالعين يصبح العالم أعمى”؛ ممّا حمل المفكّر الفرنسيّ أوليفييه لاكومب Olivier Lacombe على القول: ” حضّ غاندي المسيحيّين على أن يتذكّروا أنّ الإنجيل فعّال”.  

وبما أنّ الكنيسة عادةً، تمنح قضيّة حقوق الإنسان الطّبيعيّة الأولويّة القصوى، فالأعمال التي تتنافى مع هذه الحقوق هي بصريح العبارة إجراميّة وممقوتة. وما الطّاعة العمياء المتجسّدة في منطق -نفّذ ثمّ اعترض- بكافية لتبرير من ينفّذ تلك الأوامر.

عالجت الكنيسة إشكاليّة الحرب إبّان المجمع الفاتيكانيّ الثّاني المسكونيّ، في الفصل الخامس من الدّستور الرّعويّ “فرح ورجاء” تحت عنوان “صون السّلام وبناء جماعة الأمم”؛ فشجبت بربريّة الحروب بصورة عامّة وأدانتها (ك ع 77) (سوف نستعمل في سياق البحث المصطلح  “ك ع” للدّلالة على وثيقة فرح ورجاء) ، لأنّها خطر داهم يهدّد النّاس في كلّ زمان ومكان، بقدر انغماسهم في الخطيئة وأعمال الشّرّ التي هي نفسها حرب ضدّ الخير والسّلام الدّاخلي (ك ع 78).

أعلنت الكنيسة موقفها بوضوح، برفضها تلك الحروب التي قد تبيد شعبا بأجمعه أو أمّة بأكملها أو أقلّيّة عنصريّة لأيّ سبب كان. إنّها أعمال إجراميّة رهيبة وينبغي أن تكون محرّمة (ك ع 79). فالأعمال الحربيّة التي تهدف، دونما تمييز إلى هدم مدن كاملة أو مناطق واسعة بما فيها من سكّان، هي بمثابة جريمة ضدّ الله والإنسان، ويجب أن تشجب بشدّة من دون أيّ تردّد (ك ع 80).

ثمّ دعت الكنيسة كذلك، إلى التمسّك بالاتفاقيّات الدّولية المتعدّدة حول كلّ ما يرتبط بالحرب في حال وقوعها، كتلك التي تعنى بمصير الجنود الجرحى والأسرى. وناشدت الجميع بالتّمسك بها وتطويرها قدر الإمكان، كيما تحدَّ من وحشيّة الحروب بطريقة أفضل وبفاعليّة أكبر.

لذا يجب العمل بدون توقّف على نشر ثقافة السّلام ونبذ الحروب، بغية القضاء على ذهنيّة العنف والقوّة العمياء المدمّرة.

عن موقع زينيت العالم من روما