stay connected

- Advertisement -
الكنيسة الكاثوليكية بمصر

construct design

Travel

أدبية

الضمير – الأب د./ رمزي نعمة

689views

download (18)الضمير – الأب د./ رمزي نعمة

الشريعة هي المعيار الموضوعي للسلوك البشري. إنها تعبير عن إرادة الله للكائنات البشرية. وبمعنى معين هي شيء خارج عن الفرد. وتزودنا الشريعة بالمعلومات العامة حول أخلاقية الأعمال المختلفة. ومن الناحية الأخرى فالضمير هو المعيار الذاتي للسلوك البشري. ويطبق الضمير المبادئ العامة للأخلاق على السلوك الشخصي ويزودنا بالمعلومات حول أخلاقية الأعمال الفردية.

أولاً: الكتاب المقدس 

1) العهد القديم:

لا توجد في اللغة العبرية كلمة واحدة تعبر عن فكرة الضمير. وتظهر الكلمة اليونانية “سنيديسيس” (Syneidesis) التي تعني الضمير، فقط في العهد القديم في سفر الحكمة (11:17) وهو كتاب تأثر كثيراً بالأفكار اليونانية. وتعني في هذا الكتاب “الاعتراف الداخلي بالإثم”. ومع هذا فإن فكرة الحكم التي تقوّم أخلاقية حدث واقعي موجودة في العهد القديم. وقد يُنسب هذا الحكم إلى “الروح” و “النفس” و “القلب” وهذه الكلمة تعبّر إلى أقرب حدّ عن فكرة الضمير. ويصف سفر التكوين (7:3-11) ندم الضمير الذي اختبره آدم وحواء بعد عصيانهما للرب. ونرى قايين يوبخه ضميره بعد أن قتل أخاه هابيل (تك12:4). وقد أدرك داود أنه أخطأ خطأ فاحشاً عندما قام بإحصاء الشعب (2صم10:24). وفي محنة أيوب لم يوبخه قلبه عن أي من أعماله (أي 6:27).

2) العهد الجديد:

أ- الإنجيل المقدس: 

لا توجد كلمة سنيديسيس” (Syneidesis) اليونانية التي تعني الضمير في الأناجيل جميعها، إلاّ أن السيد المسيح يستعمل مرادفات لها: “العين” و “القلب” و “الباطن” بكثرة. فنسمع المسيح يقول: “سراج الجسد هو العين. فإن كانت عينك سليمة، كان جسدك كله نيراً. وإن كانت عينك مريضة، كان جسدك كله مظلماً”. (مت2:6-23؛ مر 21:7). أفلا تتلخص الأخلاق الإنجيلية في تلك الكلمات: “فحيث يكون كنزك يكون قلبك” (مت21:6؛ لو 34:12).

ب- بولس الرسول:

يستعمل بولس الرسول الكلمة اليونانية التي تشير إلى الضمير. ويبدو أنه استعمار الكلمة من اللغة الدينية في ذلك الزمن ربما من الرواقية. فبالنسبة إلى الرواقيين، كان الضمير هو الحكم النهائي والمستقل لذاته لأعمال الإنسان نفسه وقد منح نوعاً من الاستقلال على الحكم.

واستعمل بولس الكلمة للتعبير عن رد الفعل والحكم المستقل لذاته الذي تنسبه التوراة للقلب. وشهد ضمير بولس أنه تمم رسالته بنية نقية (2كور 12:1، رسل 2:23، 6:24). فكان الناموس بالنسبة إلى اليهود هو بنسبة الضمير إلى الوثنيين (رو15:2).

وعلى المسيحيين الخضوع للسلطات المدنية لا لتجنب القصاص وحسب ولكن من أجل الضمير أيضاً (رو5:3). إن من يعمل ضد ضميره، حتى لو كان على خطأ يرتكب خطيئة (رو14:14، 23). وأحياناً فإن الضمير الضعيف لأخ قد يجبرني على التخلي عن حقي في ممارسة حريتي الشرعية فيما عدا ذلك (1كور 1:8-10). إن حكم الضمير خاضع دائماً لله (1كور 4:4).

ينجم الحب عن قلب طاهر وضمير سليم وإيمان لا رياء فيه (1تيم5:1). إن بعضهم انكسرت بهم سفينة الإيمان برفضهم إرشاد الإيمان (1تيم 1-19). إن رجالاً موسومة ضمائرهم قد نهوا عن الزواج وعن أطعمة (1تيم2:4). إن عقول الكفار الأنجاس وضمائر الذين ليس لهم شيء طاهر فهي مدنسة (تي15:1).

ج- الرسالة إلى العبرانيين:

وردت كلمة ضمير في الرسالة إلى العبرانيين في سياق الحديث عن الذبائح. إن ذبائح العهد القديم لم تستطع تطهير ضمير الإنسان المتعبد، أي إزالة الحس بالإثم (9:9، 2:10). في حين يظهر دم المسيح ضمائرنا من أعمال ميتة لعبادة الله الحي (14:9). ويتم هذا التطهير في المعمودية (10-22).

ثانياً: تعليم الكنيسة

1) التعليم التقليدي: 

إن وظيفة الضمير هي إظهار ما ينسجم مع النظام الأخلاقي والأمر بمراعاته. ويطبق الضمير قانونًا موضوعيًا على وضع معين. إن أخلاق الموقف (Situational ethic) التي تقرر على أساس الحدس الشخصي وليس على أساس القوانين الموضوعية يجب رفضها على أساس أن حالتي “التساهل” (laxism) “والتشدد” (rigorism) يجب رفضهما، والاحتفاظ بحالتي “الممكن” (probabilism) و “الأكثر إمكانية” (probabiliorism).

وفي البند 86 من هذه الرسالة يقول قداسة البابا “إنّ مستقبل البشرية يتوقف على 2) تعليم المجمع الفاتيكاني الثاني: يتكلم المجمع كثيرًا عن الضمير، لاسيما في الدستور الراعوي “الكنيسة في العالم المعاصر”. فيقول تحت عنوان “كرامة الضمير الأدبي” يكتشف الإنسان في أعماق ضميره وجود شريعة لم يسنّها لنفسه ولكن عليه أن يخضع لها. إن هذا الصوت الذي لا ينفك يدعوه ليعمل الخير ويتجنب الشر يدوي في الوقت المناسب في صميم قلبه قائلاً: “اصنع هذا وتجنب ذلك” لأن هذه هي شريعة وضعها الله في قلب الإنسان، وإن كرامته تقوم في الخضوع لها لأنها هي التي ستحكم عليه. فالضمير هو أعمق مركز في الإنسان، إنه المقدِس الذي يلقى فيه الله وحده ليسمع صوته. إن وصية حب الله والقريب تظهر للضمير بطريقة عجيبة. وعلى المسيحيين، أمانة لضميرهم، أن يبحثوا، باتحاد مع سائر الناس، عن الحقيقة وعن الحل المادي لمشاكل أدبية متعددة تثيرها الحياة الفردية والاجتماعية أيضًا. وبقدر ما ينتصر ضمير المرء المستقيم، بقدر ما يبتعد عن اتخاذ قرار أعمى ويميل إلى أن يطابق سلوكه على نواميس الأخلاق الموضوعية.

ولكن غالبًا ما يضل الضمير، نتيجة جهل لا يغلب، دون أن يخسر كرامته. وهذا ما لا نستطيع أن نقوله عندما لا يأبه الإنسان ولا قليلاً للبحث عن الحق والخير عندما يدب العمى رويدًا رويدًا في ضمير ما نتيجة الخطيئة التي أصبحت لديه كعادة” (الكنيسة في العالم المعاصر-16).

وقد أوضح المجمع المسكوني “فاتيكان الثاني” تفكيره عن الضمير “في بيان في الحرية الدينية” بصورة خاصة: “ولكن الإنسان يشعر بأوامر الشريعة الإلهية ويعرفها بواسطة ضميره. فعليه أن يتبعه بأمانة في كل نشاطاته ليبلغ غايته التي هي الله. فيجب من ثم ألا يكون مرغمًا ليعمل ضد ضميره ولا يمنع من أن يصرف وفقًا له لاسيما في الأمور الدينية” (الحرية الدينية-13).

“إن الله يدعو الناس إلى أن يخدموه بالروح والحق، ولذلك يصبحون ملتزمين ضميريًا بخدمته ولكن غير مرغمين” (الحرية الدينية-11). “إن المؤمنين بالمسيح يتمتعون كسائر الناس بحقوقهم المدنية لئلا يمنعوا من أن يعيشوا وفقًا لضميرهم” (الحرية الدينية-13).

“وعلى المؤمنين بالمسيح أن يصغوا بكل انتباه لتربية ضميرهم إلى تعليم الكنيسة الأكيد والمقدس ولقد أراد المسيح أن تكون الكنيسة الكاثوليكية معلمة الحق” (الحرية الدينية-14).

ثالثاً: التفكير اللاهوتي

1)    طبيعة الضمير

‌أ-  ما هو الضمير: 

الضمير بمعناه الخاص هو حكم العقل العملي حول صلاح أو شر فعل ما. لذلك فإن تطبيق الشريعة على الوقائع يجعل من الضمير قاعدة قريبة للفعل الأدبي. إن أهم شيء يجب تذكره بخصوص الضمير هو أنه صدى لصوت الله. الضمير هو صوت الله في قلب الإنسان. ملكة أخلاقية تكشف للإنسان ما هو خير وما هو شر وتحثه على اتباع الخير وترك الشر. وهذا ما نسميه Syneidesis الضمير هو الحرية في الإنسان، فعليه أن يختار بين الخير والشر، بين الحياة والموت.

‌ب-  رأي المدارس اللاهوتية:

في رأي توما الأكويني الضمير هو تطبيق المعرفة على العمل. ولذلك فالضمير هو بادئ ذي بدء عمل من أعمال العقل الذي هو موهبة المعرفة. ويضع آخرون، وخصوصًا أتباع سكوت، خلاصة الضمير في عمل الإرادة. وفي الواقع بين النظريتين سوى في تشديد إحداهما على المعرفة والأخرى على الإرادة، في حين يتكامل العنصران من ناحية واقعية. ويوصف الضمير أحيانًا أنه موهبة أكثر منه فعل. وهذا الاستعمال مقبول إذا فُهم أنه يعني عمل العقل والإرادة في ناحية معينة (الأخلاق)، وليس لموهبة متميزة تمامًا.

‌ج-  وظيفة الضمير: 

يجب ألا نعتبر الضمير علمًا أخلاقيًا يقرر ما هو خير وما هو شرّ فلا يعود إليه تقرير الموقف الأخلاقي أو السلوك اللاأخلاقي وإن كنا نستعمل الاصطلاح بهذا المعنى. فمصلاً نتحدث عن ضمير حساس أو ضمير واسع موسوس. أما في هذا السياق فيُفهم أن الضمير هو فعل الحكم حول أخلاقية عمل يتدبره الإنسان في المستقبل. فوظيفة الضمير إذًا هي إظهار المعيار الصحيح للعمل، إذ ليس هو مؤسس أو واضع هذا المعيار. ولهذا فهو يعتمد دائمًا على صوت الله الذي يكلمنا، فهو مستقل وداخلي. وهذه الفكرة ذات أهمية خاصة اليوم بالتركيز على الضمير بصفته مرشدًا لحياة الإنسان.

وقد عرض المجمع الفاتيكاني الثاني في هذا المعنى: فيجب إذن أن توجه جهود الجميع نحو تعلم إرادة الله في شأنه. وتعرف هذه الطريقة “بتربية” الضمير”. وتشمل تربية الضمير المزيد من الثقافة والاطلاع على الشرائع الإلهية والكنسية وتنمية الفضائل للحياة المسيحية.

أهمّ وظائف الضمير هي الإجابة على السؤال الحتمي المُقلق: كيف يمكننا التوفيق بين الطابع الإجباري للشريعة الأدبية وبين الحرية الشخصية: الجواب هو الضمير. إذ أنه هو الحكم الأخير وهذا بالطبع يفترض تربية الضمير كي يكون مستقيمًا فيأخذ أحكامًا صالحة وليست منحرفة.

2)    الضمير الأدبي مكان اللقاء بين القانون والحرية:

بما أن القانون ضروري لنمو الإنسان، فإنه يتوجه إليه من خلال صوت المعرفة والعقل والإيمان أيضًا، وبالتالي فإنه يفقد طابعه الخارجي المفروض، ليصبح صوتًا داخليًا يدعو الإنسان ليكون سيّد قراراته متقبلاً، بحرية، الإرادة الإلهية. إن ذاك القانون حضور الله أشدّ قربًا من حضور الإنسان لدى ذاته.

وإذا ما أخذ القانون بهذا المعنى يصبح الضمير علامة لكرامة الإنسان، إذ أن الفرد قادر أن يضع قانونًا لنفسه، بالرغم من كل إغراءات غرائزه وأنانيته. فإن كان القانون شريعة أخلاقية موضوعية، فالضمير شريعة أخلاقية ذاتية قريبة.

من المؤكد أننا نجد هنا أول الشرائع الأخلاقية الموجودة في أعماق الإنسان: العقل هو الذي يُملي على الإنسان أن ينظّم أعماله بانسجام مع غايته الأساسية والشخصية. وهذا ما نسمّيه الضمير الأدبي.

فمن أهم المميزات للشريعة الذاتية، أننا مجبرون على اتباعها دائمًا في كل شيء حتى ولو كان العمل المطلوب غير منسجم مع غاية الإنسان الحقيقية: ويبقى حكم الضمير الضال بنيّة حسنة نمطًا أخلاقيًا مقبولاً. فأخلاقية الشيء تعتمد على انسجام الحُكم الذاتي للإنسان مع إرادة الله. وإن العقل البشري يمكنه وحده اكتشاف العلاقة بينهما. وإذا ضل الضمير دون ذنب (أي بدون انتباه) إلا أنه يبقى شريعة أخلاقية للشخص المعني. وإلا ما كان إنسانًا يعمل بل رجلاً آليًا دون إرادة داخلية.

إن النظام الذي يتجاهل هذا البعد الأساسي للقاعدة الأخلاقية ويحولها إلى مجرد انسجام خارجي مع النظام الاجتماعي المحدد من قبل .